مقهى الهموز
مقهى الهموز.. ذكريات الزمن القديم
في زحام الشوارع والطرقات، يجذبك جمال الأماكن
الشعبية والتراثية، وينساب إلى تفكيرك ما الذي يدور داخلها، فتعزم على خوض تجربة
العيش والجلوس في أقدم الأماكن وأكثرها هدوءاً وراحة، بأماكن لم تألفها الأعين، لتجتمع
بأناس يستريح لها القلب، ويطمئن لها البال.
لا بد أن يكون مقهى الهموز وجهتك الأولى مجرد وصولك إلى شارع "شويتره"، تستجمع تركيزك بقدم ملامح المقهى، حجارة تصطف الواحدة منها تلو الأخرى، تتخللها بعض النباتات الطبيعية التي زادت من جمالها، وإشارات عثمانية منقوشة على بعض الحجارة تخفي ألف حكاية عن تاريخنا القديم.
نتحدث عن قرنٍ وخمسة وعشرين عاماً، وحقبٍ تاريخية مترامية الأطراف، يرويها مقهى "الهموز" التاريخيّ المتربع في مدينة نابلس.
لا بد أن يكون مقهى الهموز وجهتك الأولى مجرد وصولك إلى شارع "شويتره"، تستجمع تركيزك بقدم ملامح المقهى، حجارة تصطف الواحدة منها تلو الأخرى، تتخللها بعض النباتات الطبيعية التي زادت من جمالها، وإشارات عثمانية منقوشة على بعض الحجارة تخفي ألف حكاية عن تاريخنا القديم.
نتحدث عن قرنٍ وخمسة وعشرين عاماً، وحقبٍ تاريخية مترامية الأطراف، يرويها مقهى "الهموز" التاريخيّ المتربع في مدينة نابلس.
كل ذلك يجعلك تسبح في فضاءٍ من تفكير عميق
وتأمل في روعة المكان ليوقظك من غفلتك صوت أحد الأشخاص الذي يبدو عليه كبر السن،
وهو يحدث صديقاً- على ما يبدو- عن ذكرياته هنا، تستأذن بالجلوس وتستمع، لتكتشف أنه
من رواد المقهى القدامى, الحاج أبو يوسف (95عاماً) يتحدث بشغف وحب عن التاريخ
العريق للمكان وكأنه بيته الثاني: "هذا المكان أكثر الأماكن قرباً مني، نجتمع
هنا كل ليلة، لا أملّ أبداً من تكرار قصة المقهى لكل من يسألني, تأسس المقهى سنة
1892، أي في عهد العثمانيين، لكنه كان بسيط للغاية كما سمعنا في السابق، فالجد
الهموز عمل بكل ما أوتي من قوة حتى تمكن
من توسيع المكان، بدأ ب أربع محلات وتحول لبركس مساحته أربع دونمات، حتى أصبح كما
هو عليه الآن".
أخذ الحاج أبو يوسف بالحديث عن أصالة المكان
وصموده أمام ما واجهه من تحديات عظيمة، فليس من السهل على أي مكان البقاء طوال هذه
السنين، والمحافظة على ما فيه من عراقة.
يستعيد أيمن الهموز، أحد مالكي المقهى، ظروف
التأسيس: "المقهى تعود ملكيته لإثنين من أشقائي، ويعتبر أقدم مقهى في فلسطين،
حيث أنشئ في العام 1892م، في عهد الدولة العثمانية، ولا يزال يحتفظ بمعالم بارزة
تشير للعهد التركي، مثل البوّابات والبناية، والراديو القديم الذي تُشّغله بطاريات
السيارات.
عاصر المقهى حقباً متعددة ابتداءً من العهد التركي مروراً بالاستعمار
الإنكليزي، ثم الحكم الأردني وصولاً إلى عهد السلطة الفلسطينية".
يتابع الهموز: "في الأربعينيات من
القرن الماضي، كان رواد المقهى وزائروه من أعيان نابلس ووجهائها يجتمعون ليستمعوا
إلى القرآن الكريم المُذاع من العاصمة المصرية بصوت الشيخ محمد رفعت".
أقفل المقهى لبضعة أشهر في العهد البريطاني،
خلال الأربعينيات، وتحوّل إلى ثكنة عسكرية بمتناول الجنود البريطانيين في ظل
اضطراباتٍ شهدتها البلاد حينها، ثم أصبح المقهى مقراً للدعاية في إطار الانتخابات
البرلمانية الأردنية.
وقبيل قدوم السلطة الفلسطينية، كان المقهى
يشكل معقلاً للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كان مركزاً لتجمع الشباب
المقاوم في الانتفاضة الأولى، ومكاناً لتنفيذ بعض النشاطات والمهمات التنظيمية، وبعد
الاحتلال الإسرائيلي تم إيواء العديد من المطاردين والمطلوبين فيه، وكان يتم فيه جمع
الشباب وتوعيتهم لمخاطر المرحلة، وكذلك مقراً لما يمكن تسميته بمدارس التعليم
الشعبي خلال انتفاضة الحجارة الأولى، وكأسلوبٍ للتصدي ضد تعطيل الاحتلال للمدارس
عبر فرض حظر التجول.
ويعقب الهموز: "عند إغلاق جامعة النجاح، كانت الهيئة التدريسية تعقد الدوام الجامعي اليومي في أماكن عدة منها مقهى
الهموز، حيث كانت توكل لمجموعة من الطلبة مهمة مراقبة محيط المقهى خوفاً من مداهمة
الاحتلال للمكان، وتسير العملية التدريسية في داخل المقهى كما هو معتاد في الجامعة
المحاضرات وحتى الامتحانات لطلبة الجامعة.
تتأمل في كل الزوايا لتجذبك زاوية أشبه
بالفارغة، تتساءل حول تلك الزاوية، ليجيبك صاحب المقهى بابتسامته التي لم تفارق
وجهه والتي لا تنّمُ إلا عن الفخر والاعتزاز، فيقول أيمن الهموز، عن الحفلات
الغنائية التي أقيمت بتلك الزاوية، " لا أبالغ إن قلت أن معظم عمالقة الغناء
العربي غنوا هنا, فمسرح المقهى كان يعج بالمغنين العرب, أمثال أم كلثوم التي كانت
أول من اعتلى المسرح وغنت فيه, واستقبل المقهى أيضا عبد الوهاب وفريد الأطرش
وأسمهان, أما فيروز فلم يحالفنا الحظ بأن تدخل مقهانا فقامت بالغناء على أبواب
المقهى".
ويرى الهموز في غناء الفنانات والفنانين
بالمقهى أمراً يفتخر به، ويرفع من قيمة المكان لا يمكنه تجاهله.
السائحة الأردنية ليال زهران تتحدث عن
زياراتها الدائمة للمقهى وحبها الذي لا تجد تفسيراً له، فهو برأيها مختلف عن كافة
المقاهي والأماكن التي زارتها هنا وفي الأردن، تتحدث وعلامات التعجب والدهشة
يستوليان وجهها: "لا أعلم حقاً ما السر في هذا المكان، كل ما فيه جميل ومرتب، أحب الجلوس هنا والاستمتاع بكل ما يدور حولي، هذا الهدوء يساعدني على تحسين مزاجي
وتغير نفسيتي، غير أن القائمين على المقهى لطيفين للغاية ومشروباتهم لذيذة فعلاً،
ففي كل أحاديثي لأصدقائي لا أتوقف عن الحديث عن هذا المكان وأدعوهم دوماً لمشاركتي
في الجلوس هنا في كل مرة ازور فلسطين".
تعقب منال عيسى من زوار المقهى، هنا تشعر براحة
نفسية لا مثيل لها، وكأنها رذاذ منتشر في الجو تفوح منه رائحة الطيب على كل زائر،
فيدفعك ذلك إلى اكتشاف المزيد والتعرف على المكان أكثر، أهي الفطرة الطبيعية لحب
الجمال؟ أم السكينة والهدوء الملفتان للنظر؟ أم أنها الأصالة والقدم اللذان
يشعرانك بأنك ابن المكان؟، تتأمل تفاصيل المقهى المليئة بذكريات الماضي، الصور ذات
الألوان الرمادية، والكراسي الخشبية العتيقة، وأيضاً أداوت إعداد المشروبات
الساخنة التي لم تتوقع يوماً وجودها حتى الآن، والنباتات العشبية المزروعة في كل
زوايا المقهى، ودالية العنب التي تعود لأكثر من 100 عام.
مكان كهذا بذكريات الماضي الطويلة التي لا
تنسى تركت أثراً عميقاً في نفوس الجيل القديم ليعتادوا على زيارة المقهى، بالرغم
من شهرة المقهى وزواره الكثيرون من مختلف الأعمار وحبهم وتعلقهم به، إلا أن
الأجداد وحدهم من يعرفون القيمة الحقيقية أكثر من غيرهم، ووجود المقهى لغاية اليوم
ما هو إلا دليل واضح على حرص الأجيال الجديدة على الحفاظ على كل ما يذكرهم بالماضي
وإحياء روح الأصالة والعراقة فما يميز أفراد شعبنا هو عدم انسلاخهم من ثوبهم
واعتزازهم بكل ما يؤكد أحقيتنا في هذه الأرض.

تعليقات
إرسال تعليق